
البيان التشاوري .. تقدير موقف خطابي سياسي واجتماعي
نافذة عدن/كتب/عبد العزيز المنصوب:
تأتي هذه القراءة بعد عديد النقاشات التي دارت والمراسلات التي تلقيتها من عديد الشخصيات والمكونات والكيانات المختلفة مع الانتقالي ووفده الذي يبدو أنه رتب بشكل خاص لعقد اللقاء التشاوري الذي تم اليوم في الرياض عاصمة القرار العربي.
وتضمنت بعض النقاشات ضرورة تحديد موقف (مع أو ضد) البيان المشار إليه، بكونه تضمن ما كان يفترض أنه نتائج لا يليق سياسيًا وأخلاقيًا استباقها..
وبكوننا في مجموعة الحياد الإيجابي لا يصح ولا يجوز لنا الاشتراك في أي بيانات طرفية، فإن أي اصطفاف سوف يخرجنا عن دائرة الحياد باعتبار ذلك يمثل تحديد موقف من طرف لصالح طرف، ونصحنا بعدمها، وتعهدنا بأننا سنتكفل بايصال الرسالة، في لغة اكثر هدوءًا، وبعيدا عن الحسابات والتصنيفات الجاهزة، للبعض عند البعض.
وتحت صفتي كرئيس لمجموعة الحياد الإيجابي أتبنا فقط تقديم قراءة محايدة تحليلية موضوعية منهجية للبيان، تتبنى موقفاً معرفيًا ومنهجياً لا موقفًا سياسيًا ضد الحوار ولا إصطفافًا خارجه، بل تقديم قراءة في المساحة التي ترى أن الحوار قيمة حضارية ووطنية عليا متى ما توافرت له شروطه المعرفية والسياسية السليمة.
وعلى هذا الاساس، فإن هذه القراءة لا تستهدف الأشخاص ولا النوايا، وإنما تتوجه إلى النص بوصفه خطاباً سياسياً عاماً له آثار مباشرة على المسار السياسي والتاريخي الحساس.
فالبيان الصادر عن اللقاء التشاوري في الرياض يُقدَّم باعتباره مدخلاً لحوار وطني جنوبي شامل – وانعقد تحت شعار: على طريق الحوار الجنوبي- غير أن القراءة المتأنية- واستطلاع ملاحظات الفرقاء السياسيين الجنوبيين- تكشف عن إشكالات بنيوية ومنهجية تستدعي التفكيك، لا من باب الرفض، بل من باب التحصين والتصويب المبكر، إدراكاً بأن أخطر ما يواجه القضايا العادلة ليس خصومها، بل أخطاؤها الذاتية والبنيوية حين تتكرر دون مراجعة.
ومن حيث أن البيان أفرز ردود فعل نوعية تعتبره موقفاً استفزازياً أعاد للأذهان “إعلان عدن التاريخي” واستدعى من الذاكرة خطاب “المؤتمر التشاوري الجنوبي السابق” الذي عُقد في الفترة من 4 إلى 8 مايو/أيار 2023، وإعتمد ما سمي بـ”الميثاق الوطني الجنوبي”.
وهو ما يعني استمرار نفس النهج والمصادرات، وبالتالي تقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم، وكأننا لا نتعلم الدروس، بل وكأن كل ما حصل كان الهدف منه فقط إزاحة شخص اللواء عيدروس الزبيدي وليس الخطاب والسلوكيات والممارسات والمصادرات وتعسف الواقع وفق ما يراه تيار بعينه دونًا عن بقية الشركاء او الفرقاء..الخ، وبهذا الصدد تقرر لدي تقديم هذه القراءة متضمنة عدد من المآخذ:
أولاً: طبيعة البيان-
في هذا المحور نسأل هل البيان تمهيدي؟ أم تقرير نتائج مُعلنة؟ فوفق الأدبيات السياسية وتجارب الانتقال، تُصاغ البيانات التمهيدية للحوار بلغة إجرائية تراعي الاطراف الاخرى التي يفترض انها شريكة في النتيجة، وبالتالي لا تقفز عليها، وتركز على اقتراح المسارات، وتحرير الإطار المؤسسي، وضمان شمولية التمثيل، مع ترك النتائج مفتوحة للنقاش. غير أن البيان فهم على أنه يتجاوز الدور التمهيدي ليتحول إلى بيان تموضع سياسي يحدد سلفاً الاتجاهات النهائية الكبرى والنتائج النهائية، ثم يطلب من الحوار أن يتحرك داخل هذا الإطار الذي أغلقه هو على نفسه.
هكذا خطاب قرأءه الفرقاء على أنه اصرار على إعادة إنتاج لمنطق "الوصاية" فحين يبدأ الحوار من داخل نتيجة مغلقة مُعلنة سلفًا، فإنه يفقد إحدى أهم وظائفه وهي إنتاج الشرعية عبر النقاش الحر. وبدل أن يكون الحوار أداة لصناعة القرار، يتحول إلى أداة لتسويقه، وهو فرق جوهري بين منطق الدولة ومنطق التعبئة السياسية.
ثانياً: التناقض المنهجي-
رفض الشروط المسبقة وفرض سقف نهائي!! يؤكد البيان رفضه لأي شروط أو سقوف سياسية مسبقة، وهي عبارة إيجابية في ظاهرها، وهي بعبارة خصوم الانتقالي منذ تأسيسه: «لا سقف له ولا شروط عليه» غير أن الإشكال يبرز عند قرن هذا الرفض بإعلان صريح بأن هدف الحوار هو "استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة". هنا نكون أمام تناقض منهجي واضح: فاستعادة الدولة ليست خياراً مطروحاً للنقاش، بل النتيجة الكبرى التي توصل اليها الفرقاء على رأس جملة نتائج المؤتمر، وبالتالي ليست سقفًا مسبقًا فقط لطرف بعينه ويُطلب من الحوار فقط تأكيدها.. بكون ذلك سيضع الآخرين أمام: 1- الانضام فقط للتوقيع والمباركة والتقاط الصور التذكارية.. وهذه لا يقبل بها الكثيرين بكونها ستحسب استحواذ طرف بعينه على نتائج المؤتمر سلفًا.
2- الاعتراض على هكذا استباق ومصادرة.. وهذا سيوضف من طرف بعينه على أن الآخرين خونة وعملاء واعداء للجنوب وقضيته العادلة وتطلعاته المشروعة.
3- الامتناع.. وهو ما يعني استمرار الصراع والانقسام وبالتالي الاشتجار والاحتراب لا سمح الله.. الخ
فهكذا التناقض هو ما جعل البعض تعتبر البيان استفزازياً؛ بكونه يحول الرؤية الخاصة لتيار بعينه إلى سقف ملزم لحوار يفترض أنه جامع. وهو ما يُفرغ الحوار من مضمونه التفاوضي، ويضع المشاركين المختلفين أمام مجرد خيار القبول بالانضمام كشركاء في الصورة التذكارية لا شركاء في النتيجة التاريخية، وبالتالي فهم أمام: 1- إما القبول بالتبعية.
2- أو الانسحاب.
3- أو الرفض سلفًا.
ثالثاً: جدوى الحوار الوظيفية:
ثمة سؤال مفاده ما هي جدوى الخوار الوظيفية في ظل نتائج مُعلنة سلفاً؟! من حيث أن تحليل وظيفة الحوار في ظل هذا البيان يؤدي إلى ثلاثة سيناريوهات واقعية:
1- توافق مسبق كامل: فيصبح الحوار إجراءً شكلياً وتظاهرة إعلامية لا ضرورة سياسية لها.
2- مشاركة دون تأثير: فيتحول الحوار إلى أداة احتواء سياسي للأطراف المختلفة دون أثر حقيقي على المخرجات.
3- إنتاج إجماع قسري: عبر الضغط الرمزي والسياسي، وهو أخطر السيناريوهات لأنه سيكرس الانقسام ويؤسس لانقسامان مؤجلة، لا حلول مستدامة.
ومن خلال فهم آراء بعض من علقو على البيان ياضح أن أي حوار لا يُنظر إليه كمساحة حقيقية للتأثير، يفقد ثقة الجمهور قبل أن يبدأ، وهو ما يُضعف شرعيته الإجرائية.
رابعًا: مناخ الحوار-
بين التطمين والتلويح الرمزي.. فرغم نبرة التطمين الظاهرة، يوحي السياق بأن النقد قد يُفهم كاستهداف للمسار، والتحفظ قد يُقرأ كخدمة لأطراف معادية؛ وهذا الإيحاء- الذي لمسته من خلال النقاشات مع بعض القوى السياسية بوضوح- فهم على أنه سيحد من حرية النقاش، ويدفع الفاعلين إلى الصمت أو المجاملة بدل المشاركة الجادة، مما يخلق بيئة طاردة تكرر أخطاء الماضي واجترار التلاوم، وتخنق التعددية في مهدها.
خامسًا: القراءة التاريخية-
ذهنية مؤتمر الانتقالي عدن واستمرارها؛ فهمت من خلال ملاحظات البعض تخوفات عميقة من أن هذا البيان امتداد لذهنية “المؤتمر السابق” الذي عقده المجلس الانتقالي سابقاً في عدن. تلك الذهنية التي تقوم على امتلاك الحقيقة المطلقة، والوصاية على الوعي الجمعي، والقفز من التعقيدات إلى الشعار. وأن تلك الممارسات كانت سبباً في تعميق التفكك الاجتماعي والفشل المؤسسي، ويبدو أن البيان الحالي يسير على نفس الخطى دون مراجعة حقيقية لهكذا نهج، حد تعبير أحدهم وكأن المشكلة كانت فقط تكمن في شخص عيدروس وليس في الخطاب والممارسات والنفسيات والاستحواذ والقوامة.
سادسًا: أخلاقيات الحوار-
معايير النجاح مرتبطة عضويًا باخلاقيات الحوار نفسه، كأداة دولة لا وسيلة تعبئة؛ ففي التجارب المقارنة، يُنظر للحوار بوصفه أداة سيادية لإدارة التعدد والخلاف. فالحوار الناجح هو الذي يعترف مسبقاً بتعدد الرؤى، ويفصل بين الحق في تبني المواقف والحق في فرضها، ومن باب أولى الحق في خلقها والحق في استباقها. وهنا يكمن الخلط بين الثوابت “كمرجعيات قيمية عامة” والمخرجات التفاوضية “كنتاج للحوار” ما يعني أننا أمام سقطة منهجية؛ حيث تتحول النتائج إلى “ثوابت” فوق الطاولة قبل الجلوس على عليها، وهو ما سيفقد الحوار معناه الأخلاقي والسياسي، ويتحول إلى عملية “ترتيب داخلي” لإقصاء الآخرين بذكاء خطابي، كما فهم فورًا بعد صدور البيان.
سابعًا: الذهنية السياسية الحاكمة-
رصد في البيان لغة التمثيل المكتمل والنتيجة المؤكدة.. حيث يفترض البيان ذهنية «التمثيل المكتمل» وكأننا في حالة انتظار حضور للاخرين فقط لاقامة الصلاة؟! متجاهلاً حقيقة ما تسبب به هكذا خطاب من قبل من نتائج لاتزال حية وماثلة، أهمها وجود الوفد نفسه في الرياض وحل المجلس والدعوة للحوار برعاية كريمة من الاشقاء في السعودية.. بل ومتجاهلًا أن الجنوب لا يزال فضاءً مفتوحاً ومليئ بالتعدد؛ كما أن الخطاب تبنى ذهنية «النتيجة المؤكدة» التي توحي بأن التاريخ قد حسم خياره، وهي ذهنية تتعارض مع طبيعة اللحظات الانتقالية التي تحتاج إلى إدارة مرنة لا إلى يقينيات مغلقة على نفسها. متناسين أن هذه المقاربة “التمترس بدل الانفتاح” لا تحمي المسارات السياسية بل تعزلها مالم تفجرها معنوياً وسياسيًا.
ثامناً: آثار النهج الوصائي-
لابد أن ندرك أن نهج الوصاية والاستمرار فيه سيؤدي حتماً إلى عديد المخاطر من أهمها:
1- سياسياً: إنتاج دولة بتمثيل منقوص، وتضخم الشرعية الرمزية على حساب الإجرائية، مما ينتج هشاشة في العقد السياسي.
2- اجتماعياً: شعور أطراف واسعة بالاغتراب السياسي، وسرعان ما يتحول إلى توتر اجتماعي مزمن.
3- اقتصادياً: ضعف الثقة الاستثمارية وتردد الشركاء الدوليين نتيجة التوافق الهش وهشاشة السياسات طويلة المدى.
تاسعًا: سيناريوهات-
في ضوء "البيان الأخير" ثمة سيناريوهات محتملة منها:
1- سيناريو: التمرير السياسي المنضبط، ونحن هنا أمام نسبة تقريبية لا تزيد عن 40%، بحيث تُمرر مخرجات جاهزة شكلياً، لكنها تظل محدودة القبول لدى بقية الاطراف ومنقوصة الشرعية التوافقية.
2- سيناريو: الانقسام الهادئ وهذا لا تقل احتمالاته عن 30%، بعد مشاركة صورية وانسحابات فعلية لبعض القرى، مما يؤدي لتآكل الثقة ويعمق الانقسام.
3- سيناريو: تفجير المؤتمر- لا سمح الله- ونسبة احتمالاته من خلال رصدنا تقترب من 20%، من انسحابات علنية أو اعتراضات حادة عدمية وصفرية، تُفقد الحوار شرعيته وتضعف القضية إقليمياً ودولياً.
4- سيناريو: "التصحيح الذاتي" وتعديل الخطاب واحتمالاته رغم انه مطلوب إلا انها صئية، ولا تتجاوز 10%، اذا بقي الخطاب كما هو ولم يجري تصحيحه وتوضيحه واعادة صياغت على اسس لا تتضمن أي مصادرات، وبحيث يُعاد ضبط المسار ليصبح أكثر انفتاحاً، وتُؤخذ ملاحظات الفرقاء بجدية، مع ترك النتائج مفتوحة للنقاش الحقيقي، مما يؤسس لتوافق مستدام.
ختامًا: كل ما ورد أعلاه رسائل عاجلة- حررتها من موقعي في مجموعة الحياد الإيجابي، سعينا منذ 5 سنوات ومازلنا في مسار المصالحة الوطنية الجنوبية، وانجزنا في خلالها تصورات ومقاربات وتفاهمات كادت أن تنجح لولا تعنت بعض الرؤوس الصدئة التي ترى أنها هي وهي فقط من يحدد السقوف.. الخ
وإذ نبارك "اللقاء التشاوري" فإننا ندعو الى اعتماد منهج خطابي بناء يقطع مع الخطاب السابق لغة واصطلاحًا، كخطاب طارد، وبالتالي يحيد ذهنيته ونفسيته ونبرته وحيثياته ومدخلاته.
ونؤكد أن الحوار الجنوبي فرصة تاريخية لانجاز المصالحة الوطنية الجنوبية باعتبارها مدخل للشراكة ومخرج من الصراع، فلا يجب إهدارها بتكرار "منطق المصادرة" من حيث أن ما لمسناه من ردود فعل الفرقاء السياسيين يشير إلى أن البيان بصيغته الحالية أحدث أثراً عكسياً، وأنه كان يمكن أن يكون أكثر ذكاءًا، وأنه أعاد للأذهان ممارسات الانفراد بالقرار في عدن.
ونرى أن نجاح هذا المسار يتوقف على القدرة على الانتقال من منطق "القوامة الثورية" أو "الوصاية" إلى منطق "الشراكة ثم المشارك".
وأن أي سقف مسبق "ولو كان خاصًا" فهو افتراض مسبق على نتيجة محتملة، وابتسار لمسار لم يبدأ بعد، فالسقف المسبق يعني بالضرورة: أن "وجود المخالفين عبثي" أو أن "وجودك صفري عدمي".
وأن أي حوار يحدد نتائجه سلفاً، ويخلط بين الرؤية الخاصة والإطار الجامع، لن يكون قادراً على صناعة مستقبل مستقر، مهما كانت نواياه حسنة.
نأمل أن تُقرأ هذه الرسالة وافهم كصرخة تنبيه لتصحيح المسار قبل فوات الأوان-فيما آوانات فاتت- فالقضية العادلة تستحق خطابًا ناضجًا يليق بها وبحجم تضحيات شعبها.



