مقالات

الاستقالة: الفعل السياسي الأخير للكرامة

نافذة عدن/خاص:

في زمن اختلطت فيه المفاهيم وتاهت فيه البوصلة، صار بقاء المسؤول في موقعه بعد تعثره البيّن في تحقيق التزاماته العامة هو القاعدة، وصار الصمت على هذا التعثر هو الموقف الذي لا تتم مراجعته. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية. ليست أزمة خدمات فقط، بل أزمة معنى. أزمة علاقة بين من يتولى الأمر وبين من يمنحه الشرعية.

لقد سجل التاريخ القريب واقعة إنسانية مؤلمة لمسؤول اختار أن يعبر عن عجزه بإضرام النار في نفسه أمام الناس احتجاجاً على عدم قدرته على الوفاء بوعد عام. فكان أن انطفأ الجسد وبقي الفشل، وبقيت أسباب العجز، وبقيت الوعود بلا تنفيذ. لم تتغير سياسة، ولم يفتح تحقيق، ولم تتم مساءلة مؤسسية.

ومن هذه الواقعة تحديداً ننطلق إلى أصل المسألة: ما هي الآلية الدستورية والقانونية والأخلاقية الوحيدة للتعامل مع التعثر في المنصب العام؟

الجواب محسوم في صلب الفكر السياسي والقانون الإداري. المنصب العام ليس ملكاً ولا مغنماً ولا تشريفاً. هو تكليف دستوري وأمانة ثقيلة وعقد اجتماعي. طرفه الأول هو المواطن الذي يمنح الشرعية ويؤدي الواجبات ويقدم الصبر وينتظر الخدمة. وطرفه الثاني هو المسؤول الذي يتعهد أمام القانون والضمير بالكفاءة وتحقيق النتيجة.

فإذا تعذرت النتيجة، وإذا اختل ميزان هذا العقد، فإن المبدأ الذي لا خلاف عليه في الدول التي تحترم نفسها هو مبدأ واحد لا ثاني له: إنهاء التكليف بكرامة.

ولهذا نقولها اليوم بمسؤولية وطنية كاملة وبوضوح لا يحتمل التأويل: لا نريدكم أن تحرقوا أنفسكم. نريدكم أن تحترموا أنفسكم وتحترموا هذا الشعب فتقدموا استقالتكم.

الاستقالة ليست ضعفاً وليست هزيمة وليست هروباً. الاستقالة هي أعلى درجات الشجاعة السياسية والمسؤولية الأخلاقية. هي الوثيقة الوحيدة التي تحقق ما لا تحققه أي وسيلة أخرى. فهي أولاً تبرئة للذمة أمام الله ثم أمام الشعب. وهي ثانياً بيان شفاف يوضح أسباب التعثر ويضع الحقائق على الطاولة. وهي ثالثاً المفتاح القانوني الوحيد لفتح باب المساءلة عن أي إعاقة للمصلحة العامة، والفرصة الوحيدة لتمكين كفاءات جديدة من أن تحاول وأن تعمل.

أما البديل عن الاستقالة فهو معروف ومجرب. البديل هو الاستمرار. والاستمرار في الموقع بلا نتيجة هو شكل آخر من الاحتراق. احتراق بطيء لا دخان له ولا ضجيج. احتراق لمؤسسات بلا خدمات، ولفرص بلا أفق، ولثقة عامة بلا رصيد. وهو احتراق أشمل وأقسى وأخطر لأنه لا يحرق شخصاً واحداً بل يحرق حياة الناس كل يوم. يحرق مريضاً ينتظر الدواء، وطالباً ينتظر المقعد، وشاباً ينتظر الفرصة، ووطناً ينتظر الهيبة.

في الأنظمة الرشيدة يقاس مؤشر صحة الحكم بقدرة المسؤول على نطق كلمة واحدة في الوقت المناسب: “لم أوفق”. لأن الكرسي في الأصل ليس غاية. الكرسي وسيلة. ووسيلة فقدت نتيجتها تفقد مشروعيتها تلقائياً.

الأوطان لا تبنى بالضحايا. الأوطان تبنى بالمسؤولين الذين يملكون شجاعة المراجعة وشجاعة الاعتراف وشجاعة إنهاء التكليف. التاريخ لا يخلد من اختار الهروب الدرامي. التاريخ يخلد من اختار المواجهة الأخلاقية. التاريخ لا يكتبه من أحرق نفسه. التاريخ يكتبه من أحرق عجزه بيده وسلم الأمانة وقال بصدق: هذه أمانتكم فأنا لا أستحقها.

فهل من سامع يعقل؟ وهل من مستجيب يحترم؟

أحمد المريسي
كاتب سياسي وباحث في الشأن العام

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار