مقالات

عَدَنُ.. ” أوّلُ الكلِماتِ…آخِرُ الأُغنياتِ” قراءةٌ في مرثيةِ الضوءِ للهمْداني

نافذة عدن/ خاص:

منذُ ما يربو على رُبع قرن، كنتُ أقتاتُ الأدب والوعي في تلك المجالس الأسبوعية التي كان يعقدها ، الشاعر والأكاديمي والظاهرة الثقافية الملهمة، الدكتور أحمد علي الهمداني – ذاك الذي شيّد بجهده الفكري أكبر مدونة يمنية أكاديمية وموسوعية- في بيته بحي “عبد العزيز” في “الشيخ عثمان”، لم تكن المجالس مجرد لقاءات أدبية عابرة، بل كانت “محاريب” مقدسة تزدان بنخبة من الشعراء والكتاب، وهناك كنتُ أنا، الأصغر سنًّا وعلمًا، أجلسُ بين أيديهم تلميذًا مفتقرًا إلى معرفتهم، مبهوراً بهيبة الحضور.

كان صوته يتدفق رصيناً، يبعث في الحروف حياةً وهو يستحضر أساطين الشعر العربي؛ من كبرياء المتنبي إلى تمرُّد أبي نواس، ومن خيال البحتري إلى أوجاع ابن الرومي، وصولاً إلى شموخ أحمد شوقي وإدريس حنبلة، إن رجلاً بمقامه وحجم منجزاته، كان جديرًا بأن تُتوِّجُهُ المناصب وزيرًا للثقافة أو التعليم العالي والبحث العلمي أو رئيسًا لجامعة عدن على أقل تقدير، وهو الأحق بها بلا منازع.

واليوم، وأنا أطالع قصيدته “عدن: أول الكلمات؛ آخر الأغنيات” الأخيرة لأستاذ الأجيال، أقف أمام نص شعري باذخ، أستحضر فيه روح تلك المجالس القديمة، وأبصر في ثنايا الأبيات وطنًا ليس مساحةً من الأرض نذرعها بخطواتنا، بل تحول إلى “شيفرة جينية” ثقافية ووجدانية في وعينا ، كينونة لا نعيش فيها بقدر ما تعيش هي في تفاصيلنا، وتُبعث معنا أينما ارتحلنا كظلٍ لا يفارق الجسد.

في هذا النص، يسكب الهمداني اغترابًا وجوديًّا يحول عدن من “جغرافيا” صامتة إلى “حالة شعورية” تتماهى فيها الذاكرة الفردية بالوجع الجماعي. يبدأ أستاذي بإعلانٍ صارخ عن ضياع “الألفة”؛ حين يغدو المكان الذي منحنا الهوية عاجزاً عن منحنا الاعتراف، ومن منظور فلسفي عميق، يطرح إشكالية “الغربة داخل الوطن”، حيث تستحيل المدينة مسرحًا للأغراب الذين وفدوا في “زمان الغواية”.

إن تساؤله المرير: “كيف يسألني يا صديقي البغاة.. من أين أنت؟” هو ذات النصل الذي غرس في خاصرتي، وعانيتُ من مرارته حتى في لحظاتي الأخيرة ببلادي، وأنا أقف في المطار مغادرًا، أنا العدنيُّ ثقافةً وتنشئةً قبل الوصابي أصلًا، أحمل وجعي وسؤال الهوية الذي يلاحقنا كقدر محتوم.

يعكس صدمة وجودية عميقة؛ فالهوية هنا ليست وثيقة ورَقيّة، بل هي “أول الكلمات” التي ننطقها على هذه الأرض، وانتماءٌ بيولوجي وتاريخي لا يقبل الجدل.

ويرسم الهمداني لوحة سريالية للتناقض الصارخ في عدن؛ فثمة “عالم البراءة” الذي يمثله المساكين واليتامى والفقراء الحفاة، وهم الجوهر الثابت للمدينة الذين يطلبون السلام رغم العراء، وفي المقابل، يبرز “عالم الزيف” متمثلاً في “سيل الشعارات” الذي اجتاح الأحياء حتى صار “ملحًا في الطعام”. هنا تبرز فلسفة “الوطن المستباح”؛ حيث تتحول الشعارات إلى أداة تخدير تجعل العيش من دونها مستحيلاً، بينما الواقع يغرق في الحصار.

يتجلى البعد الميتافيزيقي في تعامل الشاعر مع عدن كزمنٍ مطلق؛ فهي “ألف” الوجود و”أوميجا” المنتهى، هي البداية في “أول الكلمات” وموعد الفجر، وهي النهاية في “آخر الأغنيات” ويوم الموت والبعث، عدن في منظور الهمداني ليست مجرد مدينة، بل هي “الوطن المستهام” و”مستودع الحب” الذي لا ينتهي، ما يجعل الفراق عنها ليس رحيلاً مكانيًّا، بل هو “احتراق” في طرق البدايات والنهايات.

يختتم برؤية نقدية موجعة؛ فالحقيقة قد بانت وأصبحت واضحة، ومع ذلك يظل “الدراويش لا يفهمون الكلام”. إنها استعارة لـ “العمى الإرادي” لمن يختارون البقاء في “غابة الحزن” وزرع الأوهام بدلاً من مواجهة الواقع.

إن هذه القصيدة هي رثاء للمدينة الفاضلة التي سقطت في فخ الصراعات، وهي محاولة من تلميذٍ وفيٍّ لاستعادة “عدن المتخيَّلة” في مواجهة “عدن المحاصرة”، بأسلوب يمزج بين عاطفة الابن وحكمة الفيلسوف الذي يرى وطنه يغادر في “فصل الخريف”.

جئت أكتب يا (أستاذي) الآن بعض الكلام

وأعلن أن الحقيقة بانت

وأضحت هنا في مداها البعيد

ومازال في عصرنا يا صديقي

الدراويش لا يفهمون الكلام … الدراويش لا يفهمون الكلام

تلميذك الوفيّ : مجيب الرحمن الوصابي

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار