
شرعية الجذور لا شرعية المظلة
نافذة عدن/ خاص:
إن اختبار شرعية أي سلطة محلية لا يقاس بمراسيم التعيين، بل بقدرتها على النفاذ إلى نسيج المجتمع وإنتاج الاستقرار. وعدن، بتعقيد ملفاتها وتشابك مصالحها، تفرض معادلة دقيقة: لا تستقيم الإدارة فيها إلا بثلاثة أصول متلازمة. أولها المعرفة التراكمية التي لا تُمنح بقرار، بل تُكتسب بمعايشة تفاصيل المدينة وتاريخ أزماتها وحساسيات مديرياتها الثمان، فهي كريتر والتواهي والمعلا وخورمكسر والشيخ عثمان والمنصورة ودار سعد والبريقة، كل واحدة منها مكون أصيل في بنية المدينة الكلية. وثانيها الشبكة الاجتماعية القادرة على تفكيك العقد لا بقوة القانون وحده، بل بثقل المصداقية المحلية التي تجعل الحلول تُقبل لا تُفرض، لأن التجربة أثبتت أن الحلول التي تُستورد من خارج السياق تُقابل بعزلة اجتماعية مهما كانت سلامة مقاصدها الفنية. وثالثها تطابق المصالح، بأن يكون مصير المسؤول مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بمصير المدينة، يتأثر بأمنها ويتضرر بفشلها، فعندها فقط تصبح المصلحة العامة هي مصلحته الشخصية، وهذا هو الضمان الوحيد ضد إدارة الأزمات بمنطق الوظيفة لا بمنطق الانتماء. وعندما تُسند الملفات إلى إدارة تفتقر إلى هذه الأصول الثلاثة، فإن كلفة الحكم ترتفع، وشرعية السلطة المانحة تتآكل، لأن المواطن يحاسب من عيّن بقدر ما يحاسب من عُيّن، ويرى في ذلك تجاوزاً لخصوصية واقعه. إن القول بأن تمثيل عدن يجب أن ينبع من أبنائها العارفين بأرضها ليس انغلاقاً جهوياً، بل هو التطبيق الموضوعي لمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، وهو المبدأ الذي يسري على حضرموت ولحج والمهرة وشبوة وأبين كما يسري على عدن، فالوحدة الوطنية الرشيدة لا تعني تدوير المناصب كغنيمة جغرافية، بل تعني تكامل الأدوار بما يحقق قوة الوطن عبر قوة كل أجزائه. إن عدن جزء أصيل من قوة الوطن، لكنها لا تُبنى إلا بأيدي تدرك معنى الشارع الرئيس والشارع الخلفي فيها، وتعرف خصوصية كريتر وخصوصية دار سعد في آن واحد. فالاستقرار لا يتحقق بشرعية المظلة التي تهبط بأصحابها من أعلى، بل بشرعية الجذور التي تنبت من الأرض وتعرف ملوحتها وتعطش معها وترتوي بها. وكل تمثيل لا يملك المعرفة ولا الشبكة ولا المصلحة المباشرة في استقرار هذه المدينة، سيظل إدارة بحكم الواقع لا بحكم القبول، وحكم الواقع لا يصنع دولة ولا يديم استقراراً. إن عدن لا تحتاج وصاية من بعيد، بل تحتاج من يحمل همها كأنه همه، لأن المدينة التي تُدار بذاكرة غيرها، تُحكم بلا ذاكرة.
أحمد المريسي



